ليبيا في 2020: عام الإغلاقات النفطية وتعديل سعر الصرف وتوحيد المصرف المركزي

القاهرة – بوابة الوسط: محمود السويفي | السبت 02 يناير 2021, 02:54 مساء

بعد عام كانت الاضطرابات الاقتصادية والارتباك عنوانه الأبرز نتيجة عوامل عدة، يأمل الليبيون أن يحمل العام الجديد 2021 معه انفراجة اقتصادية تحسن من مستوى المعيشة وتزيد من الدخل الوطني للبلاد، وقبل ذلك انقشاع أزمة فيروس «كورونا المستجد» التي حصدت أرواح الملايين وألحقت خسائر غير مسبوقة بالاقتصاد في غالب دول العالم.

وسيطرت الإضرابات على المشهد في ليبيا على مدى الـ12 شهرًا الماضية؛ فقد بدأ العام بارتباك وعدم وضوح لمستقبل البلاد اقتصاديا، تزامنً مع استمرار حرب طرابلس، وتفاقم الأمر بالإغلاقات النفطية التي استمرت من 18 يناير إلى 26 أكتوبر، كما شهد العام أيضًا خلافًا كبيرًا بين مؤسسة النفط والمصرف المركزي؛ فيما حملت الأيام الأخيرة من العام انفراجة بالنسبة للمصرف المركزي الذي اجتمع موحدًا وقرر توحيد سعر صرف الدينار، وهو القرار الذي اعتبره مسؤولون مقدمة للقضاء على السوق السوداء للعملة، ورفع مستوى المعيشة..وهذه أبرز أحداث العام:

الإغلاقات النفطية
في الثامن عشر من يناير أغلق عدد من الحقول النفطية إنتاجه وتوقفت موانئ الحريقة والبريقة والزويتينة والسدرة ورأس لانوف عن التصدير، مع إعلان حالة «القوة القاهرة» التي استمرت حتى أكتوبر الماضي، وتكبدت خلالها الدولة خسائر كبرى، وجاءت خسائر الفرص البيعية بنحو 11 مليار دولار.

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

وفور إعلان حالة القوة القاهرة انخفض إنتاج النفط الليبي إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس 2011، خصوصًا بعد توقف إنتاج حقل الشرارة الذي ينتج 300 ألف برميل يوميا، وكذلك «الفيل» الذي يعد أكبر حقل نفطي يقع في حوض مرزق جنوب غرب البلاد، وبه احتياطات كانت تقدر بأكثر من 1.2 مليار برميل. وجاء تبرير هذه الإغلاقات بأنها «احتجاجًا على التدخل العسكري التركي في ليبيا، وذهاب إيرادات النفط إلى مجموعات مسلحة تقاتل قوات القيادة العامة».

وتعد «القوة القاهرة» حماية يوفرها القانون لمؤسسة النفط والشركات من أجل مواجهة الالتزامات والمسؤولية القانونية الناشئة عن توقف أداء العقود النفطية، نتيجة أحداث خارجة عن سيطرة أطراف التعاقد.

واعتبر الناطق باسم قوات القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري، أن إغلاق الموانئ النفطية «خطوة جبارة قام بها الشعب، وهي عمل مدني، كما أن الجيش استمع إلى نداء الشعب وبالتالي لن يتدخل في إرادته». لتستمر هذه الإغلاقات وتتواصل معها المناشدات الدولية، لا سيما من الأمم المتحدة وواشنطن من أجل رفع «الحصار» عن الحقول والموانئ.
وخلال فترة الإغلاقات جرت اتفاقات لاستئناف الإنتاج والتصدير، لكن لم يستمر التنفيذ سوى يومين، مع جدل كبير حول مصير الإيرادات النفطية؛ قبل عودة جميع الحقول والموانئ إلى العمل في أكتوبر.

اتفاق توزيع الإيرادات
في الثامن عشر من سبتمبر، أعلن النائب بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، أحمد معيتيق، التوصل إلى اتفاق لاستئناف إنتاج وتصدير النفط وتوزيع الإيرادات النفطية، معتبرًا أن الهدف منه «تخفيف معاناة المواطنين».

ونص الاتفاق على «تشكيل لجنة فنية مشتركة من الأطراف تشرف على إيرادات النفط وضمان التوزيع العادل للموارد، فضلاً عن تعديل وتوحيد سعر الصرف أو الرسم على مبيعات النقد الأجنبي، بحيث يشمل كل المعاملات سواء الحكومية أو الأهلية ولكل الأغراض وإلغاء تعدد الأسعار».

فيما قال اللواء المسماري إن الاتفاق الذي أعلنه معيتيق جرى التوصل إليه بمشاركة قوات القيادة العامة في «حوار ليبي- ليبي داخلي»، مضيفًا أن الاجتماعات انتهت إلى ضرورة «توزيع عادل لعائدات النفط، بشكل يخدم جميع الليبيين المقيمين في المناطق الشرقية والغربية والجنوبية على حد سواء، كما تم تشكيل لجنة مشتركة مهمتها حل جميع الخلافات والمسائل العالقة بين جميع الأطراف».

تزامناً مع ذلك، أعلن القائد العام لقوات القيادة العامة، المشير خليفة حفتر، استئناف إنتاج وتصدير النفط «شرط عدم استخدامه في تمويل الإرهاب». وأوضح أنه تقرر استئناف إنتاج وتصدير النفط مع كامل الشروط والتدابير الإجرائية اللازمة التي تضمن توزيعًا عادلًا لعائداته المالية، وعدم توظيفها لدعم الإرهاب أو تعرضها لعمليات السطو والنهب، كضمانات لمواصلة عمليات الإنتاج والتصدير، «حريصين على أن يؤدي ذلك إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين».

بدورها، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، رفع حالة «القوة القاهرة» عن موانئ الهلال النفطي، مضيفة أن «الصادرات ستستأنف على الفور من ميناءي الزويتينة ورأس لانوف، وستتواصل كما كانت سابقًا من ميناء البريقة».

عودة إنتاج النفط وتصديره
في 26 أكتوبر الماضي، جرى إعلان عودة الإنتاج والتصدير من جميع الحقول النفطية، إذ أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط رفع حالة «القوة القاهرة» عن حقل الفيل النفطي والانتهاء الشامل للإغلاقات. ووجهت التعليمات لشركة مليتة للنفط والغاز بمباشرة الإنتاج من حقل الفيل، وعودة خام مليتة تدريجيًّا إلى معدلاته الطبيعية.

بدوره، دعا رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله، إلى عدم الالتفات إلى الماضي وما خلفته الإغلاقات النفطية، مؤكدًا أنه «آن الأوان لجلب الاستثمار الأجنبي في مشاريع زيادة القدرة الإنتاجية». وقالت المؤسسة إنه مع مباشرة الإنتاج من حقول شركتي «الواحة» و«الهروج»، فإن الإنتاج يتوقع أن يصل إلى مستوى مليون برميل خلال شهر، وسيزداد إنتاج الغاز المغذي لوحدات إنتاج الطاقة الكهربائية بالزويتينة وشمال بنغازي.

وأشارت إلى أن عدم الحصول على مخصصات مالية كافية لسداد الديون المتراكمة على قطاع النفط والميزانيات اللازمة لإجراء عمليات الصيانة وإصلاح ما سببته عمليات الإغلاقات طوال العام 2020 «يحول دون إمكانية المحافظة على معدلات الإنتاج المأمولة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول بالإنتاج إلى مستويات ما قبل الإغلاقات».

خلاف مؤسسة النفط و«المركزي»
وقع خلاف كبير بين مؤسسة النفط والمصرف المركزي كانت ذروته في نوفمبر، نتيجة تضارب البيانات وتبادل الاتهامات بين الجانبين حول الإيرادات النفطية ومآلات إنفاقها بشفافية وعدالة.
وامتد الخلاف ليصل إلى إعلان مؤسسة النفط بأنها ستبقي إيراداتها النفطية في حساباتها بالمصرف الليبي الخارجي، ولن تحولها إلى حساب المصرف المركزي، الذي اتهم المؤسسة بمخالفة التشريعات النافذة، وعدم توريدها 3.2 مليار دولار من الإيرادات النفطية إلى الخزانة العامة.

ولم تهدأ الأمور إلا باجتماع حضره ودعا إليه رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، وشارك فيه كل من الصديق الكبير وصنع الله. وخلال الاجتماع، جرى الاتفاق على البحث في آليات رفع تجميد إيرادات النفط في حسابات مؤسسة النفط لدى المصرف الليبي الخارجي، وكذلك تفعيل دور اللجنة المشتركة، التي تضم في عضويتها كلاً من ديوان المحاسبة، ووزارة المالية بحكومة الوفاق، ومصرف ليبيا المركزي، وممثلين عن وزارة المالية بالمنطقة الشرقية «للتنسيق في المسائل ذات العلاقة بالمالية العامة تحقيقًا للمصالح العليا للبلاد».

كما رحب المجتمعون بـ«عقد اجتماع لمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، والبحث في آليات رفع التجميد القائم حاليًا وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، مع ضرورة تأكيد تفعيل آليات الرقابة والتقيد والالتزام بمعايير الإفصاح والشفافية»؛ وهو الاجتماع الذي تم لاحقاً وجرى خلاله إعلان قرار توحيد سعر صرف الدينار.

توحيد سعر الصرف
في 16 ديسمبر، أقر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي توحيد سعر صرف الدينار الليبي، ليصبح سعره مقابل حقوق السحب الخاصة 0.1555، أي ما يعادل الدولار 4.48 دينار، ابتداءً من الثالث من يناير المقبل؛ على أن يسري هذا السعر على جميع أغراض واستعمالات النقد الأجنبي الحكومية والتجارية والشخصية.

القرار جرى اتخاذه بإجماع أعضاء مجلس الإدارة خلال اجتماعهم الموحد، استجابة لتوصية اللجنة الفنية المكلفة بدراسة خيارات تعديل سعر الصرف. وحقوق السحب الخاصة التي يرتبط الدينار الليبي بها هي أصل احتياطي دولي استحدثه صندوق النقد الدولي في العام 1969 ليصبح مكملًا للأصول الرسمية للدول الأعضاء، ويستخدم كوحدة حساب في الصندوق وبعض المنظمات الدولية، وتتحدد قيمة حق السحب الخاص وفقًا لسلة عملات هي الدولار واليورو والاسترليني والين الياباني، ثم انضم إليها أخيرا اليوان الصيني.

وقبل الإعلان عن توحيد سعر صرف الدينار عقدت البعثة الأممية اجتماعا في جنيف لحل الأزمات الاقتصادية في ليبيا، وقالت إن المشاركين في الاجتماع وضعوا توصيات لتوحيد سعر الصرف «بغية ضمان استقرار أكبر للعملة الليبية ومكافحة الفساد». كما رحب المشاركون بـ«خطة المصرف المركزي لمعالجة الأزمة المصرفية بطريقة تعيد بناء الثقة في القطاع المصرفي وتضمن سهولة الحصول على السيولة في عموم البلاد».

وأكدت البعثة الأممية أهمية اتخاذ خطوات لتوحيد الميزانية الوطنية، ومنها توحيد وترشيد رواتب القطاع العام، وتخصيص التمويل الكافي للتنمية والبنية التحتية في جميع أنحاء البلاد، والإدارة الفعالة للدين الوطني المتصاعد ومعالجة جائحة «كوفيد – 19».

بدوره، قال عضو لجنة تعديل سعر الصرف، مصباح العكاري، إن أسعار السلع والخدمات ستنخفض من 35 إلى 45 % بعد تطبيق السعر الموحد للدولار أمام الدينار، مضيفًا أن المواطنين «سترتفع قوتهم الشرائية نتيجة انتهاء السوق السوداء».

وأشار إلى وضع إجراءات وشروط للحصول على الدولار بصفة رسمية، معتبرًا أن تحديد سعر 4.48 دينار للدولار ليس سعرًا ثابتًا «بل سيتغير إلى الانخفاض». كما توقع أن يكون 2021 «عام انطلاق قطار التنمية في ليبيا».

الإيرادات والنفقات
بلغت الإيرادات النفطية والسيادية في ليبيا خلال الفترة من أول يناير 2020 إلى 30 نوفمبر أربعة مليارات و239 مليون دينار، فيما قدر إجمالي الإنفاق بـ29 مليارًا و539 مليون دينار، منها نحو 18 مليار دينار للمرتبات، حسب بيان الإيراد والإنفاق الصادر عن مصرف ليبيا المركزي.

للاطلاع على العدد الجديد من جريدة «الوسط».. اضغط هنا 

الإيرادات النفطية فقط بلغت 2.4 مليار دينار، فيما لم تتجاوز إيرادات الضرائب 609 ملايين دينار، والجمارك 115 مليون دينار، والاتصالات 122 مليون دينار، وبيع المحروقات بالسوق المحلية 200 مليون دينار، والمخصص من أرباح مصرف ليبيا المركزي 250 مليون دينار.

وفيما يخص الإنفاق، فقد استحوذ بند المرتبات على 18.024 مليار دينار، والدعم على 5.100 مليار والنفقات التسييرية 3.042 مليون والتنمية 557 مليون، والطوارئ 2.816 مليار، بإجمالي نفقات 29.539 مليار دينار.

وأكد المصرف استمرار المؤسسة الوطنية للنفط في «حجب إيرادات نفطية سيادية متراكمة منذ سنوات سابقة، وعدم إحالتها إلى حسابات الدولة السيادية»، مشيرًا إلى أنه «لم تتم مطابقة الإيرادات النفطية عن شهر نوفمبر 2020 بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمصرف الليبي الخارجي».

وقدر البيان الخسائر المباشرة لإيقاف إنتاج النفط وتصديره خلال الفترة بنحو 11 مليار دولار، لافتاً إلى تدني تحصيل الإيرادات السيادية غير النفطية، حيث وصلت نسبة العجز في تحصيلها إلى 48 %، ما دعاه إلى مطالبة الجهات ذات العلاقة بهذه الإيرادات بالعمل على جبايتها وتحصيلها.